السبت، 17 ديسمبر، 2011

" محطة الفرج " ... قصة قصيرة !

استلقى جسدى بعد عناء طويل ومشقة سير تكبدتها قرابة الخمس ساعات متواصلة فى إحدى الحدائق العامة، جاءت جلستى صدفة على قرابة المتر من مجلس إحدى الشخصيات التى يمكن أن أقول عليها مرحة وفكاهية لدرجة لا تعرف معها هل لاقت مثلها فى الحياة دموع وقليل من حزن، جلس وقد اصطف معه شئ من قبيلته وعشيرته الصغيرة...




 أولاد وبنات أعمارهم تتراوح ما بين العاشرة والخامسة عشر. كانت نزهة عائلية مبهجة لهم بالطبع، ولكنها بنفس الوقت شئ مصدر إزعاج وشر لابد منه فلم يكن بالحديقة مكان طيب الرائحة والمجلس مثل هذا وبالصدفة عثرت عليه، وكأن القدر قد كافئنى به على مشقة ذلك اليوم العسير. لم أبدِ أى تذمر من ناحيتهم نهائياً، فالأمر لم يخل من ابتسامة فى وجه طفل اقترب منى ليستكشف تلك الحقيبة الصغيرة التى أضعها بجوارى وهو يبتسم مخاطباً إياى معاك حاجة حلوة يا عمو، وأرد ببسمة بها قليلٌ من الغيظ لأ يا حبيبى المرة الجاية هجيب لك، وعبث خفيف فى وجهه حين أراد أن يفتح الحقيبة ونهرته بلطف كاظماً ما بى من غيظ، عيب يا بابا كده الأولاد الكويسين ميعملوش كده. فيعود أدراجه لحيث ترقد باقى عائلته. هكذا الحال مر ولم يتسلل لأذنى صوت خطاب سوى من ذلك الطفل مرة، ومن أبيه مرة حين خاطبنى وقال تعالى اتغدا معانا يا أستاذ، وبلطف رديت الله يخليك بالهنا والشفا على قلوبكم. وتوالت اللحظات.
سيجارة تلو الأخرى، أحاول أن أحرق بهم الوقت، وأستجدى مع دخانهم الراحة التى جئت أنشدها، أغمض عينى تارة وأفتحها أراقب امتزاج الدخان مع نسمات الهواء التى تبدده وتشتت خيطه كما يبدد الخوف سكينة البشر. أحاول أن أصطنع إنشغالى أمام أولئك المتناثرين حولى فى كل مكان والتى لا تُطمئننى نظراتهم المتسللة إلى والتى أشعر بها كنسمات الهواء التى تمازح خدى، وكأننى أسرق بعض المكانة الإجتماعية التى تبرر جلوسى بمفردى فى هذا المكان تارة أتصل بهاتفى بأحد أصدقائى، وتارة أنظر فى الساعة، وتارة أخرج بعض الأوراق من حقيبتى وأرتبها وأسترق نظرات خبيثة فيما هو مكتوب فيها ثم أعيد إدخالها بالحقيبة. هكذا سولت لى نفسى أننى بكرسى إعتراف وعلىّ أن أجيب عن أسئلتهم التى يرسلونها مع تلك النظرات، لما الجلوس هكذا؟ وحيداً! فالجميع مثنى وثلاث ورباع وربما أكثر، ما سر ذلك الوحيد يا ترى! تساؤلات شعرتها مرسلة لى بنظرات خبيثة من أعينهم، وعلى أن أجيب عليها فوراً!.
ليتهم يكفون عن نظراتهم، ماذا يجديهم نفعاً لو علموا ما حولى وما بحوزتى ولم أنا هنا!، لمَ لا ينشغلون بأنفسهم ويتركون كل امرءٍ وشأنه، أيرضيهم ضعف الخلق، أيُمَّتعهم سبر أغواره، أيُثيرهم كشف أسراره، أريد أن أسئلهم هل سوف تشعرون بنشوة لو هتكتم صمتى. سحقاً لهؤلاء البشر ما أغنانى عنهم وعن وجودهم.
" يارب إن قسمت لى مكاناً بجنتك فَحُلْ بينى وبينهم بستر من رحمتك، يارب اغننِ عنهم، رب احفظنى منهم بالأولى والآخرة" هكذا رددت فى نفسى قبل أن تهب نسمات هواء ارتطمت بعينى بشدة، وكأنها شئ بداخلى هو من أرسلها لى لتنزل معها دمعات من عينى، تُزح عن نفسى ما أحمله من آهات. ليت الآمنا دموع نذرفها حينما نريد، ألا ليت الكسرات المحفورة بقلوبنا شيئاً من بقايا طعامٍ وشرابٍ نُخرجها كل حينْ. هى أقدارٌ صُنِعتْ وشاءت أن على الأبدان أن تتحمل ما يدخلها لوقت معلوم ثم تلفظه، وعلى الأرواح والقلوب أن تُعانى مما يصادفها ويدخلها أبد الدهر.
تمر الثوانى علىّ مرور السحاب، وصوتُ يُقاطع خلوتى لألتفت بجوارى فأجد ذلك الشخص البشوش الذى كان على مقربة منى، قد جاء إلىّ بكوب من الشاى وخاطبنى " إتفضل يا أستاذ، أنا قلت أجيب الشاى أشربه معاك وأهو نتسلى، أنا حاسس إن إنت شايل أوى ومهموم، وبصراحة أم العيال هى اللى قالت لى آجى لك ونشرب الشاى سوا وأهو أضحكك شوية وتُفك بكلمتين" ابتسمت فى وجهه مستغرباً من فعله وجرأته على اقتحام الأشخاص بهذه السهولة. لم أستطع الرد فلم يترك لى فرصة للرد ليرد علىَ بقوله " امسك اشرب " وناولنى كوب الشاى بين يدىّ، واستكمل حديثه وقال : " أنا أول مرة آجى هنا كانت من عشرين سنة وكُنت قدك تقريبا فى السن، كان يوم وفاة أمى، واليوم ده كنت فى الشغل واتصلوا بيا اخواتى وقالوا لى البقاء لله والدتك توفت، والله مهما أوصف لك ازاى والدتى كانت غالية عندى وقريبة من قلبى مش هتصدق، والغريب إنى فى اليوم ده كنت انطردت من الشغل، يعنى كنت من كل النواحى بستقبل مصايب" وصمت الرجل ثوانى وبدأ يشرب الشاى ويبتسم لى كأنه يدعونى بتحضر لأن أشاركه الشرب وفعلاً لم أرد دعوته وبدأت أشرب الشاى معه مستغرباً من جرأته وحديثه معى، تُرى هل هذا الرجل يعرفنى ويعلم ما حلًّ بى من ابتلاءات ومصائب، أم هى مجرد صدفة، أم أن القدر يحضر لى مفاجأة أخرى لمَّا أعلمها بعدْ. ماذا دفعه للحديث معى بهذه الطريقة التلقائية، أشعلت سيجارة وعزمت عليه ولم يقبل معتذراً أنه لا يدخن. وبدأت أنا أدخن وأشرب الشاى، ولا أعلم هل اقتحمنى الصمت وبدد عضلات لسانى لأن أرد له فعلته بكلمة شكر، هل استولى البرود على كيانى حتى تجمدت مشاعرى لأن أرد عليه بكلمة مواساة، ماذا حدث ؟ لا أعلم!، نظر الرجل لى وقال : " انت مالك ساكت كده ليه، قول أى حاجة!، أنا وأنا قدك كنت زيك بظبط والله، بس الحمد لله ربنا أكرمنى وبقيت زى منت شايف، أسرة جميلة وأولاد ربنا يبارك فيهم وزوجة ربنا يجازيها عنى كل خير، غيروا حياتى وحسسونى بنفسى انى عايش لهدف" وعاد الرجل يشرب الشاى. حدثت المعجزة وجدت نفسى أنطق وأتكلم! . بادرته وسألته " اسم حضرتك أيه " قال لى : " أحمد" ... ابتسمت وقلت : " أنا كمان اسمى أحمد، بص يا عمى أحمد أنا ساكت لأنى مستغرب من كلامك، كأنك بتتكلم مكانى، أنا النهاردة فقدت أغلى وأثمن ما أملك، كل ما أملك فقدته ويمكن زيك وأكتر" وكأن الحديث اندفع من أعلى فلم أدعه يتحدث وأكملت حديثى وخاطبته : " أنا لم أحضر جنازة آخر فرد من أقربائى، وكان أخى، تركت الدنيا وهربت لنفسى، من سنوات وبدأت الحرب بينى وبين الدنيا، خسرت فيها كل شئ، استسلمت منذ زمن طويل لها، وصارحتها أنى أضعف منها، ولكن لم تسمع منى". سادت لحظات صمتٍ بيننا كأنها العمر الطويل، أغمضت خلالها عينىَّ، كأننى أطلب من الله أن يلهمنى بعض العزاء فى تلك الصور التى لا تزال عالقة بذهنى، إنها أمى قادمةٌ نحوى، وها هو أخى يربت على كتفى ويقول " الدنيا لحظة صبر، ولا شئ غير الصبر لنا"، تمر تلك النجاحات وتلك الإنكسارات أمام عينىّ كأنها شريط ذكريات مسجل، حمداً لله ترك لنا بعض السلوان فى الذكريات، يا للهول لو فقد الإنسان أحبابه ومعهم ذكرياتهم، حقاً إنه الجحيم المقيم، فالذكريات فى بعض الأوقات تكون ملاذنا مما نلاقيه من حيواتنا. يا ليت هؤلاء البشر المحدقة عيونهم بى، المتناثرة تساؤلاتهم حولى يأتون لأعماقى ليرون ما حل بى من دمار، وما أكابده من ألم الوحدة، ومرارة الفراق، ليتهم يذوقون طعم الصمت الذى يتعجبون منه، ليتهم كانوا هنا مثلى هرباً لا محطةً للراحة، حقاً إنها لحكمة الله أن نتحد بالمكان ونختلف بالأهداف والغايات المرجوة من وجودنا به، شتان بين وجودى ووجودهم، فرق شاسع بين من أتى ليستجم ويلهو وبين من أتى هرباً من قسوة ماضىٍ يؤلم، شتان بين من جاء ليأخذ بعض النشاط ويضع بالمكان بعض الحيوية والتفاؤل وبين من جاء يحرقه الحنين لماضى تولى. قاطع ملكوت وحدتى صوت الرجل يبتسم لى ويخاطبنى:" بلاش كده اوعى تخلى مكان يكون سجنك ولو كانت الدنيا كلها، اوعى تهرب وتخصص مكان لحزنك وزعلك، فرفش، حاول تخلى كل مكان يفتكرك بضحكتك العالية ، هما مش بيقولوا الأرض بتبكى علينا لما نموت، انت شكلك الأرض هتفرح انك سبتها، انا سايب علامة فى كل مكان، ضحكة فى كل شبر ارض بقف عليه، فكها ومتعملش من اللاشئ شئ، الطبيعى ان كل شئ خُلقْ للفناء، محدش هيعمر، كل أحبابنا سابونا واحنا بعد شوية هنحصلهم، فبلاش نضيع العمر فى حزن ملوش لزمة، او بمعنى تانى اكتر من اللازم، خليك طبيعى جدا، روح كل مكان واترك فيه حاجة حلوة، دى حتى الاماكن بتحسوبتشعر زينا بظبط، مش مصدقنى طب بص للشجرة دى وانت بتضحك وفرحان، وبص تانى وانت حزين ومهموم، فرق كبير بينهم" ثم ربت على كتفى وظل يقول " انت مبتضحكش ليه، والنبى يا شيخ تضحك، وفكها "، اقول لك نكتة؟ " فابتسمت له ونظرت له فى دهشة، كيف استطاع هذا الرجل أن يغير حالتى وينسينى همى بتلك الصورة، لقد نقلنى فى دقائق من عالم سُجنت به إلى عالم به قليلٌ من المشاركة وكثيرٌ من الأنس، أيـُعقل أن يُختصر البشر وتأثيرهم فى كلمات قليلة، أتكون لكلمة بسيطة كل هذا الأثر، هل بعض الكلمات من بعض البشر تفعل السحر وتنقلنا من الموت للحياة. نظرت لهذا الرجل بابتسامة عريضة، قائلاً " كفاية إنك كلفت نفسك وبتتكلم معايا" رد بابتسامة فقط ولم يزد عنها. يا للعجب، نحن هكذا زجاجات ممتلئة بالمشاعر، البعض فتح نفسه يتأثر ويؤثر بالناس، يمتص منهم وحزنهم ويضخ فيهم بعض مما فيه، والبعض أغلق الحلق على نفسه فابتعد وحبس نفسه عما يدور حوله، اكتفى بهمه وحزنه رفيقاً، ربما نكون فعلاً بنا ما بنا من حزنٍ وهمٍ وكآبة، ولكن بحاجة دائماً لقليلٌ من الإحتكاك بالناس حولنا، فقليلٌ من الحديث ربما جلب معه كثيرٌ من التنفس، لم أعرف أن بعض الناس أداة نزيح بها عما نعانيه وتكابده نفوسنا، كُنت بوحدة لا حدود ولا معالم تنبئنى بقرب نهايتها، وبكلمات وأفعال عابرة لم تكن بحجم وحدتى وحزنى، تبددت تلك الظلمات التى خيمت علىّ، وتلاشت كأنها ظلام ما قبل الفجر.
بدأت البسمة ترتسم بقوة على وجهى وأنا أرى ذلك الرجل وبسمته التى لا تفارقه، ونظرته الحانية لأولاده وهم يلعبون حولنا، كم هى بسيطة إن غضضنا الطرف عن وحدتنا، كم ستكون رائعة لو خرجنا من تلك الحفر التى تسقط فيها نفوسنا بعد كل مصيبة تحل، كم ستكون مزهرة إن تشاركنا ببعض الحب، ولو قليلٌ منه من حولنا، عرفناهم أو لم نعرفهم، الأهم أن نتشارك، الأروع أن نتبادل ولو القليل من الوقت.
بدأ الوقت يمر سريعاً صحبة هذا الرجل أو عم أحمد كما حلى لى أن أناديه، حتى قمت من مكانى وبدأت أطلب من أولاده أن يأتوا كى ألاعبهم، وتحركت معهم من رقودى الطويل بمكانى وقمنا نتقاذف الكرات ومع الحركة بدأت أشعر بأن شئ ما وُلد بداخلى، شئ من فرحة وشئ من سرور لا أعرف سره وسببه، ولكن أعرف أنه بى ومعى وأستمتع بعبيره حولى، ومر الوقت جداً حتى حان وقت رحيلهم، وقد ىن وقت ذهابى وعودتى، وتصافحت مع عم أحمد وأولاده وتواعدنا أن نلتقى مرة أخرى، ولكن بصدفة مثل هذه فبعض المصدافات تُخلق حين نُريد أن نُوجدها.



ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

هذا ما كان منى، فاللهم اغفر لى ما أخطأت فيه